فخر الدين الرازي
291
المطالب العالية من العلم الإلهي
الاشتراك اللفظي فقط . والثاني قول من يقول : لفظ الموجود يفيد مفهوما واحدا ، إلا أنه في حق واجب الوجود لذاته ، وجودا مجردا ، أعني أنه وجود بشرط كونه غير عارض لشيء من الماهيات ، بل يكون وجودا قائما بنفسه ، وبهذا التقدير يكون وجود اللّه تعالى نفس حقيقته . والثالث : قول من يقول : إن الوجود صفة من صفات حقيقة اللّه تعالى ، ونعت من نعوت ماهيته ، وبهذا التقدير فوجود اللّه غير ماهيته . وهذه الأقوال الثلاثة قد ذهب إلى كل واحد منها عالم من الناس . فالأول : قول طائفة عظيمة من المتكلمين كأبي الحسن الأشعري ، وأبي الحسين البصري . والثاني : هو القول الذي اختاره أبو علي بن سينا في جميع [ كتبه ] « 1 » والثالث : قول طائفة عظيمة من المتكلمين ، وهو الذي نصرناه في أكثر كتبنا . ويجب على العاقل أن يتأمل في هذا التقسيم الذي ذكرناه حتى يعلم يقينا أن هذه الأقوال الثلاثة لا مزيد عليها البتة . ونقول : أما القول الأول وهو أن لفظ الموجود واقع على الواجب لذاته ، وعلى الممكن لذاته ، لا بحسب مفهوم واحد ، بل بحسب الاشتراك اللفظي فقط . فنقول : إنا قد دللنا في مسائل الوجود على فساده ، ولا بأس بإعادة بعض تلك الوجوه في هذا المقام ، فنقول : الذي يدل على فساده وجوه : الأول : إن بديهة العقل حاكمة بأن الوجود لا يقابله إلا العدم ، وإن العدم لا يقابله إلا الوجود ، فوجب أن يكون الوجود مفهوما واحدا ، كما أن العدم مفهوم واحد ، حتى يصح ذلك التقابل بينهما . الثاني : إن الوجود يصح تقسيمه إلى الواجب ، وإلى الممكن والجوهر والعرض ، ومورد التقسيم مشترك بين كل الأقسام . الثالث : إن اعتقاد كونه موجودا ، لا ينافيه اعتقاد كونه واجبا أو ممكنا أو جوهرا أو عرضا ، فوجب أن يكون المفهوم من كونه موجودا فيه قدر مشترك بين الكل .
--> ( 1 ) من ( س ) .